محمد طاهر الكردي

377

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

خطر على قلب بشر ، وليطئمن قلبه إلى ما له عند اللّه تعالى من المنزلة السامية والمكانة الرفيعة ، وليعلم معاني الآيات القرآنية التي نزلت وتنزل عليه في مسائل السماوات والملكوت وأمور الآخرة والقيامة علم مشاهدة ويقين ، وهذا الحال أبلغ وأقوى من حال الإيمان بالغيب لذلك قال إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي . ثم تأمل كيف تكون حال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد رجوعه من المعراج وقد رأى ما في السماوات بل وما فوق السماوات ودخل الجنة ورأى نعيمها وهو حي لم يمت ، فهل يركن إلى هذه الدنيا الفانية الخسيسة التي لا تساوي عند اللّه جناح بعوضة ؟ كلا واللّه . لذلك كان صلى اللّه عليه وسلم لم يمتع نفسه في الحاة الدنيا قط ، وهو الذي مقامه في أمته أعظم من مقام الملوك لدى شعوبهم بكثير وكثير مما لا نسبة . ولقد كان زهده صلى اللّه عليه وسلم في الدنيا مضرب الأمثال فهو لم يشبع قط من الأكل وكان يقول : « حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه » قالت عائشة رضي اللّه عنها : لم يمتلئ جوف النبي صلى اللّه عليه وسلم شبعا قط وأنه كان في أهله لا يسألهم طعاما ولا يتشهاه إن أطعموه أكل وما أطعموه قبل وما سقوه شرب . وكان ينام على الحصير حتى يؤثر في أضلاعه وقد بكى عمر رضي اللّه عنه لما رأى عليه ذلك الأثر صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يلبس من ثياب الخز والحرير ، وكان يرى نفسه كراكب استظل في طريقه في شجرة فعما قليل سيرحل ، نعم كان صلى اللّه عليه وسلم يجتهد في عبادة ربه فيصلي حتى تتورم قدماه ، ويصوم حتى يقال إنه لا يفطر ويعطي عطاء من لا يخشى الفقر ، وكان يعطي من العطايا ما لا تطيب بها إلا نفس نبي مرسل ، فكان أجود بالخير من الريح المرسلة وهو الذي يقول : « لو كان لي مثل أحد ذهبا لسرني أن لا تمر عليّ ثلاث ليال وعندي منه إلا شيئا أرصده لدين » . نعم كيف يطمئن إلى هذه الدنيا الفانية نبينا " محمد " وهو رسول اللّه وقد دخل الجنة ليلة المعراج ورأى من نعيمها ما أسقط الدنيا من عينيه ، ورأى ما رأى من إكرام اللّه عز وجل له ما زهده في الخلق أجمعين . ولذلك كان ختم كلامه عند الموت : « رب اغفر لي وألحقني بالرفيق الأعلى » اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .